عماد الدين الكاتب الأصبهاني

229

خريدة القصر وجريدة العصر

أبو النجم الخونجي « 1 » من أهل « أذربيجان » « 2 » . رأيت ب « بغداد » شيخا كبيرا ، يخدم عن الوزير ( أحمد بن نظام الملك « 3 » ) في « المدرسة النظاميّة « 4 » » بها ، وعاش إلى حدود سنة ستين وخمس مائة ، يقال له : ( نجم الدين أبو النجم الخونجي ) ، وأظنّه هذا . وكان مليح الخطّ ، ولكنّني ما عرفت أنّه يشعر . * * *

--> ( 1 ) منسوب إلى « خونج » ، بضم فسكون ففتح : مدينة من أعمال أذربيجان ، بين مراغة وزنجان ، في طريق الري ، وهي آخر ولاية أذربيجان . قال ابن حوقل في المائة الرابعة الهجرية : إن هذه المدينة كانت مشهورة بالخيل الجياد والأغنام والبقر . وقال ياقوت ، وقد زار المدينة في المائة السابعة : اسمها « خونا » ، وأهلها يكرهون تسميتها بهذا الاسم لقرينة قبيحة تقترن به ، فقالوا « خونج » ، وقال إنها تسمى في أيامه « كاغذكنان » ، أي : صناع الكاغد ، وقد رآها بلدة صغيرة خرابا ، فيها سوق حسن . وذكر المستوفي أن « كاغذكنان » على ستة فراسخ « 18 ميلا » جنوب « سفيدرود » ، وأربعة عشر فرسخا شمال « زنجان » في الطريق إلى « أردبيل » ، وقال : إنها تخربت في أثناء الغزو المغولي ، فآلت إلى قرية ، وكان الكاغد الفاخر يصنع فيها في أيامه « المائة الثامنة » ، وسماها المغول الذين سكنوها « المغولية » . ( 2 ) في الأصل ( احريچان ) ، وليس لها ذكر في كتب البلدان ، وإنما فيها « إهريج » ، ويقال لها « أهر » ، قال ياقوت : وهي مدينة عامرة ، كثيرة الخيرات ، مع صغر رقعتها ، من نواحي « أذربيجان » . فلعل « أحريچان » تحريف « إهريج » ، أو تحريف « أذربيجان » ، وما أكثر التحريف والتصحيف في نسخ هذا الكتاب ! ( 3 ) هو أبو نصر أحمد ، بن الوزير نظام الملك الحسن بن علي الطوسي المشهور . وقد حرف ذلك تحريفا شنيعا في « البداية والنهاية » ( 12 / 226 ) ، فكتب : « أبو الحسن علي بن نصر الوزير للمسترشد والسلطان محمود » . قال مؤلفه العلامة ابن كثير : « وقد سمع الحديث ، وكان من خيار الوزراء » ولم - يزد ، وذكر ابن الأثير في التاريخ أخباره ما بين ( 500 ه - 517 ه ) ، وقد استوزر خلال هذه المدة مرتين . وكانت وزارته الأولى للسلطان محمد بن ملكشاه في زمن الخليفة المستظهر باللّه العباسي ، في شوال من سنة خمس مائة ، وكان قد لزم داره ب « همذان » بعد ما رأى انقراض دولة أهل بيته ، وآذاه رئيس « همذان » فسار إلى السلطان محمد شاكيا ومتظلما ، واتفق أن قبض السلطان على وزيره سعد الملك وصلبه على باب « أصبهان » ، وأحمد هذا في الطريق ، فلما وصل اليه ، ذكره ، وأسند اليه الوزارة ، ولقبه ألقاب أبيه : « قوام الدين ، نظام الملك ، صدر الإسلام » ، وحكمه ومكّنه ، وقوي أمره . قال ابن الأثير : « وهذا من الفرج بعد الشدّة ، فإنه حضر شاكيا ، فصار حاكما ! » وتقدم عند الخليفة المستظهر باللّه ، فلما تزوج أخت السلطان محمد ، كان المتولي لقبول العقد بوكالة من الخليفة ، وشخص إلى « أصبهان » حيث كانت تقيم الأميرة . وتعرض في أثناء وزارته ، في شعبان من سنة 503 ه ، لشرّ الباطنية حين كان متوجها إلى الجامع ، فوثبوا به فضربوه بالسكاكين ، وجرح في رقبته ، فبقي مريضا مدة ، ثم برا ، وأخذ الباطني الذي جرحه ، فسقي الخمر حتى سكر ، ثم سئل عن أصحابه ، فأقرّ على جماعة ب « مسجد المأمونية » ، فأخذوا وقتلوا . وفي سنة 504 ه عزل من وزارة السلطان ، ولزم دارا استجدّها ببغداد . ثم كانت وزارته الثانية في سنة 516 ه إذ قبض الخليفة المسترشد باللّه على وزيره جلال الدين بن صدقة ، فأرسل السلطان محمود بن السلطان محمد ابن ملكشاه إلى الخليفة في معنى وزارة ( نظام الملك أحمد ) ، فأجيب إلى ذلك واستوزر في شعبان ، وظل في الوزارة إلى جمادى الآخرة من سنة 517 ه فاتفق أن قتل السلطان محمود أخاه الوزير ( شمس الملك عثمان بن نظام الملك ) ، فلما سمع المسترشد باللّه ذلك ، عزل وزيره ( نظام الملك أحمد ) من وزارته ! ! فأقام الوزير بالمثمنة التي في « المدرسة النظامية » من بناء أبيه ، وكان ذلك آخر خبره في التواريخ التي بين أيدينا . ( 4 ) تنظر في « مهذب تاريخ مساجد بغداد وآثارها » .